مقدمة

تبدو خريطة العالم في كثير من الأحيان وكأنها صورة دقيقة لشكل وحجم القارات والدول، إلا أن الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك. فالأرض سطح منحني، بينما الخريطة التي نستخدمها على الورق أو شاشة الكمبيوتر هي سطح مستوٍ، ولذلك لا يمكن تمثيل سطح الأرض على خريطة مستوية دون حدوث قدر من التشوه.

ويظهر أثر هذا التشوه بوضوح عند مقارنة أحجام بعض المناطق على الخرائط العالمية، وهو ما أعاد الاهتمام في السنوات الأخيرة بموضوع الإسقاطات الخرائطية وطريقة تمثيل القارات والدول.

وهذه المسألة لا ترتبط بعلم الخرائط فقط، بل ترتبط بصورة مباشرة بعمل المسّاحين والمهندسين ومستخدمي نظم المعلومات الجغرافية GIS، لأن اختيار نظام الإحداثيات والإسقاط المناسب يؤثر في نتائج حساب المسافات والمساحات والاتجاهات.

الأمم المتحدة و"تصحيح الخريطة"

وفقًا للمادة المصدرية، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026 قرارًا يدعو إلى تعزيز استخدام خرائط أكثر دقة في تمثيل المساحات الحقيقية للقارات والدول، مع دعم استخدام الإسقاطات متساوية المساحة عندما يكون الهدف هو مقارنة المساحات.

وجاء ذلك في إطار مبادرة Correct the Map، التي تسلط الضوء على تأثير الإسقاطات الخرائطية في الطريقة التي نرى بها أحجام القارات والدول على خرائط العالم.

وتشير المادة إلى أن القرار حصل على تأييد 164 دولة، مقابل دولة واحدة صوتت ضده، بينما امتنعت ست دول عن التصويت.

من المهم التأكيد على أن استخدام إسقاط Mercator لم يُحظر، ولم تفرض الأمم المتحدة خريطة واحدة على العالم. الفكرة الأساسية هي اختيار الإسقاط المناسب للغرض الذي تستخدم من أجله الخريطة.

لماذا أصبحت خريطة Mercator مثار جدل؟

يُعد إسقاط Mercator أحد أشهر الإسقاطات الخرائطية في التاريخ. وقد قدمه رسام الخرائط Gerardus Mercator في القرن السادس عشر، وكان من أهم استخداماته توفير خصائص مناسبة للملاحة البحرية.

يتميز الإسقاط بأنه يحافظ على الزوايا والاتجاهات المحلية، ولذلك كان مفيدًا للملاحة وتحديد المسارات على الخرائط. إلا أن هذه الخاصية تأتي على حساب تمثيل المساحات، إذ يزداد التشوه كلما ابتعدنا عن خط الاستواء.

ولذلك فإن المناطق الواقعة عند خطوط العرض المرتفعة تظهر على الخريطة أكبر من مساحتها الحقيقية، بينما لا يمكن استخدام الخريطة الناتجة عن هذا الإسقاط للمقارنة المباشرة بين مساحات المناطق على مستوى العالم.

إفريقيا وGreenland: مثال واضح على تشوه المساحات

من أشهر الأمثلة التي توضح تأثير إسقاط Mercator المقارنة البصرية بين إفريقيا وGreenland.

ومع ذلك، قد تبدو Greenland على بعض خرائط العالم قريبة في الحجم من إفريقيا أو أكبر منها بصريًا. هذه ليست نتيجة اختلاف في المساحة الحقيقية، وإنما نتيجة مباشرة لطريقة إسقاط سطح الأرض على الخريطة.

لماذا يحدث التشوه في الخرائط؟

الأرض جسم ثلاثي الأبعاد قريب من الشكل الكروي، في حين أن الخريطة التقليدية عبارة عن سطح مستوٍ. لذلك لا يمكن نقل سطح الأرض إلى خريطة مستوية مع المحافظة في الوقت نفسه على جميع الخصائص الهندسية.

ويختلف نوع التشوه من إسقاط إلى آخر، فقد يركز أحد الإسقاطات على الحفاظ على الزوايا، بينما يركز آخر على الحفاظ على المساحات، وقد يكون الهدف في إسقاط ثالث هو تقليل تشوه المسافات أو الأشكال.

ولهذا يمكن النظر إلى أهم الخصائص التي تتأثر بالإسقاطات الخرائطية في أربع مجموعات رئيسية:

  1. المساحة (Area): مدى المحافظة على النسب الحقيقية للمساحات.
  2. المسافة (Distance): مدى دقة تمثيل المسافات بين النقاط.
  3. الاتجاه (Direction): مدى المحافظة على الاتجاهات والزوايا.
  4. الشكل (Shape): مدى المحافظة على الشكل الهندسي للمعالم.

لا يوجد إسقاط خرائطي مثالي لجميع الاستخدامات؛ اختيار الإسقاط يعتمد على الهدف من الخريطة والمنطقة التي تمثلها ونوع القياسات أو التحليلات المطلوبة.

ما هو Equal Earth؟

يُعد Equal Earth من الإسقاطات العالمية متساوية المساحة (Equal-Area Projection). وقد تم تطويره عام 2018 بهدف توفير تمثيل يحافظ على النسب الصحيحة للمساحات مع تقديم شكل مناسب للخرائط العالمية المستخدمة في العرض والتعليم.

والميزة الأساسية لهذا النوع من الإسقاطات هي أن مساحة القارات والمناطق على الخريطة تكون متناسبة مع مساحاتها الحقيقية، ولذلك يمكن استخدامه عندما تكون المقارنة بين المساحات هي الهدف الرئيسي من الخريطة.

ومع ذلك، فإن الحفاظ على المساحة لا يعني الحفاظ على جميع الخصائص الأخرى؛ فكل إسقاط خرائطي يحقق مجموعة معينة من الخصائص على حساب خصائص أخرى.

ما علاقة ذلك بعلم المساحة؟

بالنسبة للمستخدم العادي، قد تبدو مشكلة الإسقاطات الخرائطية موضوعًا مرتبطًا فقط بشكل خرائط العالم. أما بالنسبة للمسّاح، فهي جزء أساسي من العمل اليومي، لأن أي عملية مساحية تبدأ بتحديد المرجع ونظام الإحداثيات الذي ستُعبّر به النقاط والقياسات.

السؤال الأساسي الذي يجب أن يطرحه المسّاح عند التعامل مع بيانات مكانية هو:

ما هو نظام الإحداثيات والإسقاط المناسب لهذا العمل؟

ويمكن تبسيط تسلسل العمل المساحي في صورة:

GNSS → DATUM → PROJECTION → GRID

تبدأ العملية بتحديد الموقع باستخدام تقنيات مثل GNSS، ثم تحديد المرجع الجيوديسي Datum، وبعد ذلك اختيار الإسقاط Projection المناسب، للوصول في النهاية إلى نظام إحداثيات مستوٍ يمكن استخدامه في الأعمال الهندسية والمساحية.

لماذا يستخدم المسّاح نظام UTM؟

الإحداثيات الجغرافية Latitude / Longitude تصف موقع النقطة على سطح مرجعي منحني، بينما تحتاج العديد من الأعمال الهندسية والمساحية إلى إحداثيات مستوية يمكن التعامل معها بوحدة المتر.

ولهذا يستخدم المسّاحون أنظمة الإسقاط مثل UTM لتحويل الإحداثيات الجغرافية إلى إحداثيات مستوية على شبكة يمكن استخدامها في أعمال الرفع المساحي والخرائط والحسابات الهندسية.

فعلى سبيل المثال، يمكن التعبير عن الموقع جغرافيًا باستخدام Latitude وLongitude، بينما يمكن التعبير عنه بعد الإسقاط باستخدام:

Geographic Coordinates Latitude / Longitude 
Projected Coordinates Easting / Northing — Meters 

وهذه النقلة من الإحداثيات الجغرافية إلى الإحداثيات المسقطة هي من المفاهيم الأساسية التي يجب فهمها عند التعامل مع البيانات المساحية والهندسية.

GIS والتحليل المكاني وWeb Mapping

لا يقتصر موضوع الإسقاطات على الخرائط الورقية أو الأعمال المساحية التقليدية، بل يمثل جزءًا أساسيًا من نظم المعلومات الجغرافية GIS.

فعند إجراء تحليل مكاني أو حساب مساحة أو مسافة، يجب معرفة نظام الإحداثيات المستخدم للبيانات، لأن اختيار نظام غير مناسب قد يؤدي إلى نتائج غير ملائمة للتحليل المطلوب.

ومن المهم أيضًا التمييز بين إسقاط Mercator التقليدي وبين EPSG:3857 المعروف باسم WGS 84 / Pseudo-Mercator، وهو نظام يستخدم على نطاق واسع في خرائط الويب.

لذلك لا يكفي أن تظهر البيانات في المكان الصحيح على الشاشة؛ يجب أيضًا معرفة نظام الإحداثيات والإسقاط المستخدم عند إجراء العمليات الحسابية والتحليلات المكانية.

مقارنة بين بعض الإسقاطات

الإسقاطالمساحةالاتجاهالاستخدام النموذجي
Mercatorغير متساويةيحافظ على الزوايا محليًاالملاحة وبعض تطبيقات خرائط الويب
Equal Earthمتساويةليست الخاصية الرئيسيةخرائط العالم ومقارنة المساحات
UTMتشوه محدود ضمن نطاق المنطقةمناسب للأعمال المحليةالمساحة والهندسة والمساحة الأرضية

ماذا يعني ذلك للمهندسين والمسّاحين؟

القضية الأساسية ليست تحديد إسقاط واحد على أنه الأفضل لجميع الاستخدامات، وإنما فهم الغرض من كل إسقاط واختيار النظام الذي يتناسب مع طبيعة العمل.

فعند إعداد خريطة عالمية تهدف إلى مقارنة مساحات الدول، تختلف متطلبات المشروع عن مشروع رفع مساحي لموقع إنشائي، كما تختلف عن خريطة ملاحة أو تطبيق Web Mapping.

ولذلك يجب الانتباه إلى عدد من النقاط الأساسية:

الخلاصة

اختلاف شكل وحجم القارات على الخرائط لا يعني أن الخرائط "خاطئة" بالمعنى المباشر، وإنما يعكس الاختيارات الرياضية التي يعتمد عليها كل إسقاط خرائطي.

إسقاط Mercator له خصائص مهمة جعلته مناسبًا للملاحة، بينما تركز الإسقاطات متساوية المساحة مثل Equal Earth على الحفاظ على العلاقات الصحيحة بين المساحات.

وفي الأعمال المساحية والهندسية، يصبح اختيار نظام الإحداثيات والإسقاط أكثر أهمية، لأن نتائج القياسات والحسابات تعتمد على النظام المرجعي المستخدم وطريقة تمثيل سطح الأرض.

لذلك فإن فهم العلاقة بين Datum و Projection و Coordinate Reference System ليس موضوعًا نظريًا فقط، بل جزء أساسي من العمل المساحي ونظم المعلومات الجغرافية.

المصادر